قصة أصحاب الفيل: حملة أبرهة على الكعبة وسياقها التاريخي

قصة أصحاب الفيل: حملة أبرهة على الكعبة وسياقها التاريخي

إضغط لمشاهدة العرض

كان جنوب الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي منطقة ذات أهمية استراتيجية، تتصل عبر البحر الأحمر بشرق إفريقيا وبلاد الشام، وتربط طرقها البرية بين الموانئ ومراكز الاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق برزت مملكة أكسوم، الواقعة في القرن الإفريقي، قوةً إقليمية ذات مصالح تجارية وسياسية على الضفة المقابلة. وبعد تدخلها العسكري في اليمن، تعزز نفوذها هناك، وإن اختلفت تفاصيل هذا التدخل ونتائجه باختلاف الروايات والنقوش التي تناولت المرحلة.

تولى أبرهة الحكم في اليمن ضمن واقع سياسي اتسم بتداخل السلطة المحلية والمصالح الأكسومية. وتصف مصادر إسلامية أبرهة بأنه حاكم ذو صلة بأكسوم، وتربط سيرته بحملة لاحقة على مكة. أما النقوش المعاصرة، فتقدم معلومات عن ألقابه وأعماله العسكرية والعمرانية، لكنها لا توثق كل ما ترويه المصادر الإسلامية عن الحملة أو دوافعها. لذلك ينبغي التفريق بين الخبر الديني الذي تناقلته كتب التفسير والسيرة، وبين ما يمكن إثباته مباشرة من الشواهد التاريخية المتاحة.

كان التنافس على التجارة أحد العوامل المهمة في حسابات القوى الإقليمية؛ فطرق اليمن وموانئه أسهمت في حركة السلع بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، فيما مثلت مكة محطة بارزة على المسارات الداخلية. وإلى جانب التجارة، اكتسبت المدينة مكانة دينية لدى قبائل عربية، إذ ارتبطت الكعبة بموسم حج واجتماع جماعات من مناطق مختلفة. وقد وفرت هذه المكانة لمكة حضوراً يتجاوز حجمها السياسي، وجعلت مراكز العبادة موضع اهتمام في بيئة تتنافس فيها السلطات على النفوذ والشرعية.

وتذكر الروايات الإسلامية أن أبرهة بنى كنيسة القُلَّيس في صنعاء، وأراد أن يقصدها الناس، ثم تربط ذلك بعزمه على التوجه إلى الكعبة بعد ما قيل عن تدنيس الكنيسة. وتنسجم إقامة مبنى ديني كبير مع السعي إلى إبراز صنعاء ومكانتها، لكن تحديد ما إذا كان هدف أبرهة حصراً تحويل الحج إليها، أو ما إذا كانت للحملة دوافع سياسية واقتصادية أوسع، مسألة خلافية. ولا تحسم النقوش المتاحة هذه الدوافع؛ لذا تعرض بوصفها تفسيرات محتملة، لا حقائق متفقاً عليها.

تربط بعض الروايات التراثية بين حملة أبرهة على مكة وبين حادثة تتصل بكنيسة القُلَّيس التي أنشأها في صنعاء، وجعلها مركزًا دينيًا بارزًا في اليمن. وتذكر هذه الأخبار أن رجلًا أساء إلى الكنيسة أو دنّسها، فغضب أبرهة وعدّ الواقعة إهانة لمشروعه ومكانة المبنى. وترد تفاصيل الحادثة بصيغ مختلفة؛ فبعض الروايات تنسب الفعل إلى زائر من العرب، فيما تختلف في هويته ودوافعه وكيفية وقوع الإساءة. لذلك لا يصح التعامل مع جميع عناصر القصة بوصفها وقائع متفقًا عليها أو ثابتة بالدرجة نفسها، إذ تختلف أسانيد الأخبار ومصادرها، كما أن الروايات اللاحقة قد صاغت الحادثة ضمن سياق ديني وسياسي أوسع.

وتورد الروايات أن أبرهة اتخذ من تلك الإساءة سببًا أو ذريعة للتوجه إلى مكة، حيث كانت الكعبة تحظى بمكانة دينية واجتماعية واسعة لدى العرب. ويُصوَّر هدف الحملة في الأخبار إما هدم الكعبة، أو إخضاع مكة وإظهار نفوذ أبرهة، وربما الجمع بين الأمرين. ويُذكر أن جيشه كان كبيرًا، وأنه ضم فيلًا واحدًا أو أكثر، وهي صورة ارتبطت باسم الواقعة في الذاكرة الإسلامية. غير أن المصادر لا تمنح أساسًا كافيًا للجزم بعدد الجنود أو الفيلة، كما لا تتفق على تفاصيل مسار الجيش ومقدار المقاومة التي واجهها. ومن ثم ينبغي عرض هذه الجزئيات باعتبارها عناصر في الرواية المتداولة، لا أرقامًا تاريخية محسومة.

ومن أشهر ما تنقله الرواية لقاء أبرهة بعبد المطلب، الذي تذكره الأخبار بوصفه سيدًا من قريش وصاحب إبل. وتقول إن أبرهة سأله عن حاجته، فطلب عبد المطلب استرداد إبله، بينما أشار إلى أن للبيت ربًا يحميه. ويُروى أن هذا الجواب أثار استغراب أبرهة، وأن عبد المطلب عاد إلى قومه داعيًا إياهم إلى الابتعاد عن مكة. ويعكس الحوار، بصيغته المأثورة، تصورًا عن ثبات عبد المطلب وثقته بحرمة الكعبة، لكنه يظل جزءًا من الرواية التراثية، ولا يُعامل بوصفه محضرًا تاريخيًا مستقلًا أو نصًا يمكن التحقق من ألفاظه على نحو قاطع. وتساعد هذه التحفظات على التمييز بين ما ترويه الأخبار وبين ما يمكن إثباته تاريخيًا.

تبدأ روايات السيرة والتفسير قصة الحملة بخروج أبرهة من اليمن على رأس جيش اتجه شمالًا نحو مكة، قاصدًا هدم الكعبة بعد أن عجز، بحسب الأخبار، عن صرف العرب عن الحج إلى الكنيسة التي أقامها في صنعاء. وتختلف الروايات في دوافع الحملة وتفاصيلها، كما لا تتفق جميعها على عدد الجنود أو تركيب الجيش. لذلك تُعرض هذه الأخبار بوصفها روايات تاريخية متداولة، لا تفاصيل يثبتها نص القرآن.

وتذكر كتب السيرة أن الجيش مر بمناطق في الحجاز، وأن أبرهة واجه مقاومة من بعض القبائل، ثم استولى جنوده على إبل وأموال في الطريق. ومن أشهر ما ترويه تلك الأخبار أخذ إبل لعبد المطلب، جد النبي محمد، ثم لقاؤه بأبرهة للمطالبة بها. وتورد الروايات حوارًا يوضح أن عبد المطلب طالب بإبله، بينما ترك أمر حماية البيت لله. غير أن تفاصيل الحوار ومواقع المرور وتسلسل الوقائع تختلف بين المصادر، ولا يورد القرآن هذه الجزئيات.

وعندما اقترب الجيش من مكة، تذكر روايات السيرة أن الفيل الذي كان في المقدمة امتنع عن التوجه نحو الكعبة، بينما تحرك في اتجاهات أخرى. وتختلف الأخبار في وصف الفيل وسلوكه وما جرى للقوة عند مشارف المدينة. أما سورة الفيل فتقرر بإيجاز أن الله رد كيد أصحاب الفيل، فأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، وجعلهم كعصف مأكول. وهذا هو الوصف القرآني الأساسي للحادثة؛ أما أسماء الطيور، وهيئة الحجارة، وكيفية إصابة الجنود ومآلهم التفصيلي، فترد في كتب التفسير والسيرة بصيغ متفاوتة.

ويظل تحديد سنة الحملة بدقة، ومسار الجيش، وحجم قوته مسائل لا تحسمها الروايات على وجه واحد. وقد تُقارن الأخبار بما توفر من نقوش ومصادر قديمة عن اليمن والحجاز، لكن المقارنة لا تثبت جميع جزئيات القصة ولا تزيل كل أوجه الاختلاف. ومن ثم، يفيد التفريق بين مضمون السورة الموجز وبين الإضافات القصصية في قراءة عام الفيل ضمن سياقه التاريخي، مع مراعاة حدود ما تسمح به الشواهد المتاحة.

تروي المصادر الإسلامية أن حملة أبرهة انتهت قبل بلوغ غايتها، وأن الكعبة بقيت قائمة، بينما لم تحقق الحملة هدفها المتمثل في إخضاع مكة أو صرف العرب عن حجهم. وتربط الروايات القرآنية ذلك بتدخل إلهي هزم جيش الفيل، في حين تختلف الأخبار التاريخية في تفاصيل الحملة ومصير أبرهة وجنوده. لذلك لا يمكن الجزم، اعتمادًا على الروايات وحدها، بحجم الخسائر أو بمسار تراجع نفوذ أبرهة بعد الواقعة. وتشير بعض الأخبار إلى أن سلطانه انحسر لاحقًا، لكن تحديد علاقة ذلك المباشرة بالهزيمة يظل موضع نقاش.

كان للحادثة أثر بارز في الذاكرة العربية والإسلامية؛ فقد أسهمت في تعزيز مكانة مكة بوصفها موضعًا مقدسًا ومركزًا للحج، كما رسخت صورة الكعبة باعتبارها بيتًا محفوظًا في الرواية الدينية. وتسمية السنة التي وقعت فيها الحملة «عام الفيل» تعكس حضور الحدث في التأريخ الشفهي، إذ صار علامة زمنية يتداولها العرب. ويربط التقليد الإسلامي هذا العام بزمن مولد النبي محمد ﷺ، غير أن التأريخ الدقيق لكل من المولد والحملة ليس محسومًا، وتختلف تقديراته باختلاف الروايات والمناهج الحديثة في فحصها.

وتحضر الحادثة بوضوح في سورة الفيل، التي تذكر أصحاب الفيل وما آل إليه أمرهم، وتقدم الواقعة ضمن خطاب يبرز قدرة الله على حماية بيته. وتكتسب السورة أهمية دينية مستقلة عن حسم جميع التفاصيل التاريخية؛ فهي جزء من القرآن الكريم، ويتناولها المفسرون في ضوء ألفاظها وسياقها، مع الاستعانة بالأخبار الواردة في كتب التفسير والتاريخ. وتقتضي القراءة المتوازنة التمييز بين النص القرآني، الذي يقرر أصل الحادثة في صياغته الدينية، وبين الروايات التاريخية المتباينة، ثم الاجتهادات الحديثة التي تحاول تفسيرها أو تأريخها. ويتيح هذا التفريق احترام دلالة السورة، مع الإقرار بحدود ما يمكن إثباته تاريخيًا وعدم عرض التفاصيل المختلف فيها كحقائق قطعية.